الحَوّسَبة الكُمومِية Quantum Computing

تعدُنا الحَوّسَبة الكُمومِية بأنظمة  (َQuantum Systems) ذات قدرات  فائقة  بشكل أُسي  Exponentially Powerful  بمعنى  أن نظاماً كمومياً يحتوى 500 جسيم  تكون قدرته الحسابية  هى 2 مرفوعة لأس   500  أي (2500 ) وهذا يعني مزيد من المعالجة المتوازية Parallelism   ، فلو تأملنا العدد 2500   فسنجده أكبر بكثير من عدد الجسيمات بالكون المرئي بالنسبة لنا  ومن جهة آخرى ،  يمثل هذا العدد  2500    قيمة أكبر بكثير من عمر هذا الكون بالفيمتوثانية  مما يوحي بالسرعة الفائقة لهذه الأنظمة ، ومن هاتين الملاحظتين كانت البداية لعلم الحوسبة الكمومية . وبالتالي كان التفكير بتسخير هذه القدرات الهائلة لحل مشاكل الحوسبة التقليدية Classical Computing   وذلك بإنتقاء المسائل المناسبة للحل باستخدام هذه ةالأنظمة ، فليست كل المسائل يمكن حلها بها على الأقل حتى الآن ثم تصميم الخوارزميات الكمومية Quantum Algorithms  التي تعمل على الحل. فعلى سبيل المثال – هناك مثالاً شهيراً لذلك  – مسألة تحليل عدد الى عوامله الأولية Factoring  ،هب أن لدينا عددا صحيحاً N  ونريد أن نحلله الى عوامله الأولية          مثلا ً       هذا النوع من المسائل لا تسطيع الحواسيب العادية حله بسهولة ، وقس على ذلك عمليات فك الشفرات المستخدم فيها خوارزمية التشفير الشهيرة RSA .عند بناءنا لنظام حاسب كمومي Quantum Computer  سنتمكن من حل مثل هذه المسائل التي من الصعب حلها بالحوسبة التقليدية   على سبيل المثال ، خوارزمية شور الكمومية لتحليل الأعداد الصحيحة الى عواملها الأولية وخوارزميات فشك تشفير RSA  تعد من الأمثلة على ذلك ، في الواقع تستطيع الخوارزميات الكمومية كسر كافة آليات التشفير بإستخدام المفتاح العام Public-Key Encryption

 نخلص مما سبق الى أن الأنظمة الكمومية تمتاز بالسرعة الفائقة والقدرة العالية على المعالجة المتوازية وذلك بشكل يتناسب أُسياً مع عدد الجسيمات المكونة للنظام ، وللحصول على هذه الميزات الفائقة يجب أن نختار المسائل الحسابية المناسبة ذات الهيكل الصحيح لتمثيلها بخوارزمية كمومية ، فليست كل مسألة لها هذا الهيكل،فالحاسبات الكمومية لسيت قادرة على حل كافة أنواع المسائل ، وبالتالي فإن لها أيضاً أوجه للقصور. حتى نتمكن من تصميم الخوارزميات الكمومية علينا أولاً أن نفهم بعضاً من المبادئ الأساسية لميكانيكا الكم Quantum Mechanics   . وهي احدي فروع علم الفيزياء الحديث وتعتبر نظرية أساسية من نظريات تفسير الطبيعة والمهتمة بتفسير سلوك الجسيمات دون الذرية . ميكانيكا الكم ، هي نظرية غير بديهية بشكل كبير  وهو ما تؤكده المقولة الشهيرة للفيزيائي الدانمــاركي نيــلز بـور     ”  من لم يُصدم بمكيانيكا الكم أثناء دراسته لها ، فإنه لم يفهمها جيداً ” ، ولذا فالحوسبة الكمومية  تحتوي جميع المظاهر الغير بديهية لميكانيكا الكم وعليه وحتى تستطيع فهم الحوسبة الكمومية بشكل جيد ، يجب عليك أولاً أن تتعرف على مدخلاً ولو بسيطاً لميكانيكا الكم والوحدات البائية الأساسية للحوسبة الكمومية مثل الكويبتات Qubits  و البوابات الكمومية Quantum Gates  بالإضافة إلى التعرض للبعض الكثير من التناقضات والصور الغير بديهية لميكانيكا الكم.

م. يسري نجم في 17 يوليو 2012 م

Advertisements

مصادم الهدرونات الكبير يحقق رقماً قياسياً في الإقتراب من نهاية لعبة تعجيل الجسيمات

لا مكان للإختباء : مصادم الهدرونات الكبير يحقق رقماً قياسياً في الإقتراب من نهاية لعبة تعجيل الجسيمات للوصول لما يعرف بــ”الذرة الإلهية

  • فيضي البروتونات المتصادمة عالية الطاقة تصل لمعدلات تسارع قياسية ( أعلى مستويات الطاقة )
  • بداية عام من التجارب لإثبات وجود (أو إستبعاد)  جسيمات “بوزن هيجز” الأولية
  • اكتمال نظرية أينشتين في حال إثبات وجود جسيمات “بوزن هيجز”

أعلن مؤخراً فريق  علماء الفيزياء في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، سيرن، أن فيضي البرتونات المتسارعة (المٌعجلة)  داخل مصادم الهدرونات الكبير   سجلت أعلى معدلات الطاقة  المعروفة في مثل هذه التصادمات حتى الآن ، لذا فإن طاقة الــ 8 تيرا إلكترون فولت الناتجة   ٌتنبئ  بقرب نهاية لعبة مصادم الهدرونات الكبير  ومحاولة العثور على جسيمات “بوزن هيجز” الأولية  أو ما يسمى بــ”الذرة الإلهية”  والتي من شأنها ( في حال إثبات وجودها) أن تدفع في إتجاه إكمال نظرية  آينشتين حول نشأة الكون. ووفقاً لما أعلنه فريق  العلماء  بــ (سيرن)   أن استقرار هذه الحزم (الفيوضات) من الجسيمات عند هذه المعدلات العالية للطاقة تشير  الى بداية عام من التجارب المثيرة والتي من شأنها إثبات وجود جسيمات “بوزن هيجز” أو إستعبادها نهائياً.

ومن المقرر أن يستمر تشغيل مصادم الهدرونات الكبير حتى نهاية العام الجاري (2012 م )  ، قبل أن يتم إغلاقه لمدة طويلة للمرة الأولى  ويرى معظم فريق العلماء العاملين بالمشروع أن هناك تفاؤلاً كبيراً بإمكانية إثبات وجود جسيمات “بوزن هيجز” قبل ذلك .

ومن جانبه ،فقد أوضح  ستيف مايرز –مدير التقنية والمعجلات في سيرن – أن تجربة عامين من التشغيل الجيد لــ 3.5  تيرا إلكترون فولت من الطاقة لكل حزمة (فيض) من البرتونات كفيلة بأن تعطينا الثقة لزيادة طاقة التعجيل للبرتونات المتصادمة بهذا العام دون أدني مخاطر محتملة  أو أضرار على جهاز مصادم الهدرونات الكبير  . وأكد مايرز  ذلك  قائلاً بأنه قد حان الآن وقت الإستفادة القصوى من تجاربنا حول أهم الإكتشافات العلمية التي نبحث عنها.

جسيمات “بوزن هيجز”  –  في حال إثبات وجودها  –  يمكن أن تتكون بغزارة في ظل معدل طاقة الــ 8 تيرا إلكترون فولت بدلاً من 7 تيرا إلكترون فولت وهي طاقة تشغيل المُعجل في التجارب السابقة ، ولكن هذا سيتطلب مزيد من العمليات الأخرى في آليات توليد الإشارات الدالة على جسيمات “بوزن هيجز” وهذا يعني أن تشغيل سنة كاملة سيكون ضرورياً لمعالجة إشارات محيرة ظهرت بالتجارب السابقة في عام 2011 م للوصول الى إكتشاف ماهيتها أو  إستعباد النموذج القياسي لجسيمات “بوزن هيجز تماماً .

صرح سيرجيو  برتولوتشي ، مدير  الأبحاث في سيرن  ، بأن زيادة طاقة مصادم الهدرونات الكبير  هى لتعظيم فرصة الوصول الى الإكتشافات المطلوبة ، لذا فهو يرى بأن عام 2012 م سيكون عاماً رائعاً لفيزياء الجسيمات الأولية.

ووفقاً لفريق الباحثين بالمشروع فإنهم يرون أن  استقرار حزم البرتونات المتصادمة عند هذه الطاقة يعكس مؤشراً جيداً  لبداية عام من التجارب التي قد تساعد في العثور على جسيمات “بوزن هيجز” أو استبعاد وجودها نهائياً.وبالتالي فإنه قد تقرر تشغيل مصادم الهدرونات الكبير حتى نهاية عام 2012 م ثم يتم ايقاف تشغيله للمرة الأولى لمدة طويلة لتجهيزه كي يعمل بطاقة 6.5 تيرا إلكترون فولت لكل حزمة متسارعة من البرتونات  وذلك إعتباراً من أواخر عام 2014 م  مع التحضير للهدف النهائي ألا وهو إعادة تصميم جهاز مصادم الهدرونات الكبير  ليعمل بطاقة 7 تيرا إلكترون فولت بما يتماشى مع أهداف التجربة. وقد صرح  سيرجيو أيضاً  في وقت سابق   أنه حتى هذا الحين – توقف المصادم  بحلول نهاية هذا العام –   سيكون بمقدورنا معرفة ما إذا كانت جسيمات “بوزن هيجز” موجودة فعلاً أم أنها محض خيال.

وفي جميع الأحوال ، سواء أثبتنا وجود نموذج “بوزن هيجز” القياسي أم لا  ستمثل هذه التجارب  إنجازاً علمياً وتقدماً كبيراً في مجال استكشاف الطبيعة ، وتجعلنا أكثر قرباً من فهم كيف حصلت الجسيمات الأولية على كتلتها ، معلنين فصلاً جديداً في فيزياء الجسيمات الأولية .

                                               م. يسري نجم  في  19 أبريل 2012

                                              ترجمة بتصرف لـــ مقال روب واغ في ديلي ميل

نظرية إم M-Theory

ترجمة بتصرف من كتاب التصميم الكبير The Grand Design   للفيزيائي البريطاني ستفين هوكنج

وفقاً للمفهوم التقليدي للكون ، تتحرك الأشياء في مسارات محددة وبالتالي لها تاريخ محدد  (سيرة أو تسلسل من الأحداث ) .أي أننا نستطيع أن نحدد وبكل دقة مواضعها  ( أماكنها )   عند أية لحظة لحظة من الزمن.ورغم أن هذا التفسير يعد ناجحاً بشكلٍ كافي للإستخدامات اليومية،إلا أنه قد إكُتشف في عشيرينيات القرن الماضي  أن هذه النظرة “الكلاسيكية ” لا تستطيع أن تفسر لنا سلوك التواجد الغريب على ما يبدو  بعالم المقاييس الذرية وما دون الذرية.وعوضاً عن ذلك ، كان من الضروري أن نشتق إطاراً مختلفاً لتفسير ذلك ، أُطلق عليه الفيزياء الكمية. وقد اتضحت دقة تنبؤات نظريات فيزياء الكم للأحداث على تلك المقاييس ،بالإضافة الى إعطاؤها نفس التوقعات التي تعطيها النظريات الكلاسيكية القديمة في حال ما إذ طبقت على العالم العياني للحياه اليومية.بالرغم من ذلك تبقى الفيزياء الكلاسيكية وفيزياء الكم مبنيتان على مفاهيم مختلفة تماماً  للحقيقة الفيزيائية.

يمكن صياغة نظريات الكم بطرق عديدة ومختلفة ، ولكن الوصف الأكثر ترجيحاً قدمه  ريتشارد (ديك) فاينمان الشخص الدؤوب الذي عمل بمعهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك Caltech ( و بدأ بقرع طبول البونجو على أرضية مشتركة بالطريق .وفقا لفاينمان ، أي نظام ليس له تاريخ واحدفقط (History)  بل له كل تاريخ ممكن.

في مقالتنا هذه ،  سوف نُفصّل مقولة فاينمان ونستخدمها لإستكشاف الفكرة القائلة بأن الكون نفسه ليس له تاريخ وحيد وأيضاً ليس له وجود وحيد. تبدو هذه الفكرة متطرفة حتى لعدد من الفيزيائيين أنفسهم ، وفي الواقع تناقض هذه الفكرة الحس العام  مثلها في ذلك مثل العديد من الأفكار التي المطروحة في العلم الحديث فإنها تبدو وكأنها تنتهك الحس العام، لكن الحس العام مبني على الخبرة الحياتية والتجارب اليومية وليس على الكون كما أوضحته لنا انجازات التقنية مؤخراً ، والتي مكنتنا من النظر بإمعان في أعماق الذرة  أو العودة الى بدايات الكون .

قُبيل ظهور الفيزياء الحديثة ، ساد الإعتقاد بأنه يمكن معرفة العالم عن طريق الملاحظة المباشرة أي أن الأشياء تكون هى ما تبدو عليه كما تدركها حواسنا.و لكن النجاح الباهر الذي حققته هذه الفيزياء الحديثة ، القائمة على مفاهيم مماثلة لتلك التي طرحها فاينمان و التي تصطدم بواقع تجربتنا اليومية أدي الى إثبات أن ذلك ليس هو الحال ، وبالتالي فإن تصورنا البسيط للحقيقة (الواقع) لا يتوافق مع الفيزياء الحديثة.

للتعامل مع مثل هذه المفارقات ، ينبغي علينا أن نعتمد هذا النهج الذي نسميه بــ “الواقعية المعتمدة على النمذجة “    Model-dependent realismوهو يقوم على فكرة أن عقولنا تقوم بتفسير المدخلات التي تتلقاها حواسنا عن طريق نموذجٍ ما لهذا العالم.عندما ينجح هذا النموذج في تفسير الظواهر والأحداث لمسألة فيزيائية معينة فإننا نميل الى الإعتقاد بأن هذا النموذج بكافة عناصره والمفاهيم المكونة له هو الواقع الجيد أو الحقيقة المطلقة. ولكنه قد توجد طرق آخرى عديدة يمكن من خلالها تمثيل نفس المسألة الفيزيائية بنموذج يستخدم عناصر ومفاهيم أساسية مختلفة. فلو اتفق هذان النموذجان أو هاتان النظريتان في تفسير  نفس الظواهر والأحداث بشكل دقيق ، فلا نستطيع حينها أن نقول أن أحدهما أكثر واقعية من الأخر ويكون لدينا  في ذلك الحين  كامل الحرية في إختيار أيهما النموذج الأكثر ملائمةً.

وتاريخ العلم ملئ بالعديد من المواقف المشابهه ، حيث إكتشفت سلسلة من النظريات أو النماذج أفضل ثم أفضل  بدءاً بأفلاطون الى الميكانيكا الكلاسية لنيوتن حتى نظرية الكم الحديثة. لذا من الطبيعي أن نسأل أنفسنا  : هل سيصل هذا التسلسل تدريجياً الى نقطة نهاية ، إلى نظرية شاملة للكون ، والتي ستوحد كل القوي وتتنبأ بكافة ظواهر الطبيعة  وجميع المشاهدات التي نقوم بها. أم أننا سنستمر للأبد  في البحث عن النموذج الأفضل أو النظرية الأفضل ولن نصل أبداً إلى نظرية لا يمكن تحسينها؟ نحن لا نملك حتى الآن  إجابة قاطعة على مثل هذا التساؤل ولكننا على الأقل وفي ذلك الحين، لدينا النظرية المرشحة بأن تكون النظرية الشاملة أو نظرية كل شيئ والتى نطلق عليها “النظرية إم M-Theory ” .

تعد “نظرية إم ” هى النموذج الوحيد حتى الآن الذي تتوفر فيه جميع الخصائص التي يعتقد بأن النظرية النهائية يجب أن تتصف بها ، ولا تعتبر “نظرية إم” نظرية بالمعنى المعتاد  ، ولكنها عبارة عن مجموعة من النظريات المختلفة ، كل منها يعتبر جيداً بما يكفي لوصف كافة المشاهدات المرصودة ولكن في نطاق محدد من الطبيعة . انها تشبة الخريطة إلى حد ما ، فكما هو معروف ، أنه لا يمكن للمرء أن يستعرض سطح الأرض كله في خريطةٍ واحده ،ففي الإسقاط الإسطواني  Mercator projectionالمستخدم لرسم خرائط العالم ، تكون هناك مناطق  تبدو أكبر فأكبر كلما إتجهنا نحو الشمال أو الجنوب ولكنها لا تغطي القطبين الشمالي والجنوبي معاً ، وحتى نتمكن من رسم خريطة كاملة للكرة الأرضية ، يتعيين علينا أن نقوم برسم مجموعة من الخرائط ، تغطي كل منها منطقة محددة من الأرض ، تتداخل هذه الخرائط فيما بينها ، وعند مناطق التداخل تظهر نفس التفاصيل.

تشبه “نظرية إم”  مجموعة الخرائط السابقة ، فمجموعة النظريات المختلفة المكونة لها تبدو متابينة جداً ،ولكن يمكن إعتبار كل واحدة  منها بمثابة جزء من نفس النظرية الكامنة ، ويمكن إعتبار هذه المجموعة من  النظريات عبارة عن إصدارات من “النظرية إم” والتي تطبق فقط في نطاق محدد-على سبيل المثال ، عندما تكون كميات محددة ، الطاقة مثلاً صغيرة نسبياً ، وكما هو الحال في الخرائط المتداخلة في نظام الإسقاط الإسطواني ، حيث تتداخل النطاقات لخرائط المختلفة ، فإنها تتنبأ بنفس الظواهر. وكما أنه لا تجد خريطة واحدة مسطحة يمكنها تمثيل سطح الأرض كله دفعة واحدة ، فإنه لا توجد نظرية واحدة والتي يمكن إعتبارها تمثيلاً جيداً لكل الظواهر في مختلف المواقف.[1]

خريطة العالم” ، من الممكن أن يتطلب تمثيل الكون سلسلة من النظريات المتداخلة ، كما هو الحال

عند تمثيل الكرة الأرضية ، يتطلب الأمر مجموعة من الخرائط المتداخلة ،وتكون الظواهر متماثلة  عند مناطق التداخل.

وفقاً لـ”النظرية إم”  ، لا يعتبر الكون الذي نعيش فيه الكون الوحيد ، ولكن تفترض هذه النظرية أن أكواناً كبرى متعددة ،كل كون له تواريخ (آحداث)متعدده  ممكنة ، وحالات متعددة ممكنة في أزمنة تالية ، بمعنى أنه في أزمنة مثل حاضرنا هذا وبعد فترة طويلة من خلق هذه الحالات  المتعددة ،ستصبح معظم هذه الحالات تماماً على عكس الكون الذي نشاهده الآن ، وستكون غير ملائمة تماماًلوجود أي شكل من أشكال الحياه ،  وسيسمح قلة قليلة منها فقط لمخلوقات أمثالنا لتتواجد. وبالتالي فإن تواجدنا يتم إنتقاؤُه من هذه المصفوفة الهائلة ،فقط من الأكوان التي تتفق مع وجودنا.

 حتى نفهم الكون بعمقٍ أكثر ، نحتاج لأن لا نعرف  فقط كيف يتصرف الكون ؟ ولكن لماذا؟لماذا يوجد شيئ بدلاً من لاشيئ؟  ولماذا نحن موجودون؟ ولماذا هذه القوانين التي تحكم الكون وليس غيرها؟هذا هو السؤال الكبير  ، للحياه ،والكون ، وكل شيئ.


[1]هنا يفترض المؤلف عدم القدرة على صنع هذه الخريطة المسطحة وفقاً لنموذج تفكيره،ماذا لو كان ذلك ممكناً فهل يمكن أن توجد نظرية واحدة بالمعني التقليدي؟- المترجم

ماذا لو كانت نظرية الآوتار خاطئة ؟

أقدم لك قارئي العزيز هنا في هذه التدوينة ترجمة مقال  د. معتز إمام   –   قسم الفيزياء  ،   جامعة كلارك ،ورسستر ، مــاســاتشوســتس 01610 الــولايــات  المتحـــدة الأمريكية

 النص الأصلي للمقالة  والمراجع  موجود  هنا   أما النص المترجم فسوف تجده على هذا  الرابط

تمهيد  المؤلف على صفحته  بــ  الفيس بوك                                        

نظرية الآوتار الفائقة  هى من النظريات التي يهتم بها الباحثين منذ اكثر من أربعين عاماً مع أنه حتي الأن لا يوجد أي دليل معملي عليها (بما في ذلك تنبؤ النظرية بوجود أبعاد أخري). يتساءل البعض لماذا ندرس النظرية بلا دليل عليها؟ هذا مقال قصير نشرته في مجلة  American Journal of Physics   أناقش فيه الإنجازات الرياضية للنظرية (بدون الدخول في تفاصيل) التي من وجهة نظري ستحقق إستمراريتها حتي وإن ثبت فشلها معمليا.

 

الخلاصة

في هذه المقالة ، سأناقش وبإيجاز أهم إنجازات  ما يسمى بــــ “نظـــــرية الآوتــــار” والتي من شأنها أن تقف أمام محاولات الدحض والتشويه للنظرية كنموذج للطبيعة. وأيضاً سأُبيَن أن إحتمالية بقاء واستمرارية هذه النظرية يعني بالضرورة أنها ستسلك نفس مسارها بعيداً الإٌختبارات المعملية وسأحرص في تناولي لذلك أن أكون بعيداً عن تفاصيل  الفيزياء والرياضيات.

 تحتل “نظرية الآوتار” مكانة خاصة في تاريخ العلم من حيث أنها النظرية الوحيدة التي تمكنت ليس فقط من الإستمرارية ولكن بأن تصبح  اللعبة الوحيدة في المدينة – على حد تعبير شيلدون جلاشو [1].   وذلك على الرغم من عدم وجود دعم تجريبي لها أو إختبارات معملية تساندها . أضف إلى ذلك فقد إكتسبت هذه النظرية شعبية كبيرة لدي الجمهور من العامة وغير المتخصصين حيث أننا لو احتكمنا إلى مواقع الهواة على شبكة الإنترنت  وشاشات البرامج التلفزيونية والمناقشات الشخصية ، سنجد بأن هناك إعتقاداً واسعاً بصحة هذه النظريةوأنها نظرية تفسر الطبيعة بشكل مقبول.

بالطبع لا أحد يعرف ذلك على وجه اليقين حتى الآن ، ولقد طالت هذه الحيرة فيزيائي نظرية الآوتار أنفسهم ولكنه على الرغم من ذلك ، فإنك لو ضغطت عليهم قليلاً فإنهم سوف يخبرونك بأن نظرية الآوتار   مازالت في طور الإفتراضات.  ولكنهم يتصرفون  كما لو كانت نظرية الآوتار  قد تم التأكد من صحتها وبأنها النظرية الصحيحة لتفسير كافة الظواهر في الكون ، مما جعل هذا الموقف يثير الكثير من الإنتقادات الحادة . ولعل من أبرز  هولاء المنتقدين لنظرية الآوتار  هو   لي سمولين [2]  ، فعلى الرغم من أنه مر بمرحلة “نظرية الآوتار”  فقد أشار  سمولين في كتابه  إلى  أن “الإيمان” أو “الإعتقاد” الزائد عن الحد بفرضية نظرية الآوتار قد أثر سلباً على تمويل الآبحاث وسياسات التوظيف. وبأن زيادة بروز هذه النظرية على نحو غير متناسب مع المعالجات الآخرى لنظرية “الكم-جاذبية”.[3]

ومن أبرز المنتقدين الأخرين  للنظرية   بيتر   ويت [4] والذي يطرح وجهة نظره من خلال كتابه – الذي يمكن الإطلاع عليه كما بقائمة المراجع بالمقال الأصلي ، في الفصلين الخامس والسادس وكذلك على مدونته بشبكة الإنترنت حيث يعلق قائلاً  ” على الرغم من أن هناك العديد من الحُجج المضادة للنظرية فإنه يبدو أن نظرية الآوتار تلقى المزيد من الضجيج أكثر مما تستحق، إذا ما تم تقيمها بمفردها من حيث تطبيقها على الطبيعة أو تعريضها للإختبارات التجريبية.

في الواقع ، فشلت نظرية الآوتار  حتى الآن في التأكيد على أنها تطابق تعريف النظرية العلمية  ، فقد أعطى كارل بوبر [5] في عمله الكلاسيكي ، عدة معايير يجب أن تحققها أية نظرية علمية تتلخص في أنه ” حتى تكون النظرية علمية يجب أن تمتلك خاصية قابلية  الإختبار أو التجريب أو اثبات الخطأ – ويمكن الإطلاع على عمله الأصلي وكتاباته على الإنترنت كما هو موضح بقائمة المراجع بالمقال الأصلي.

من الواضح أن نظرية الآوتار قد فشلت حتى الآن في تلبية معيار بوبر ، ربما يمكن القول بأن هذا الوضع مؤقت ، ففي نهاية المطاف سوف تلحق التقنية بالركبلتساهم في إختبار نظرية الآوتار  بشكل مباشر أو لربما يجد شخصٌ ما طريقة لإختبار فرضيات نظرية الآوتار  بإستخدام التقنيات الحالية.

هذا الأمل  هو ما يبقي نظرية الآوتار على قائمة النظريات العلمية، حافظاً إياها من مصير علم الخلق وعلم الفلك اللذان فشلا في تلبية معيار بوبر ، بيد أن العائق الخطير أمام النظرية هو أن منتقديها دائماً مستمرون في المطالبة بإسقاطها.

إذن فلماذا يستمر الناس في العمل على نظرية الآوتار ؟ لذلك عدة أسباب ، فغالباً ما نسمع أن النظرية جذابة بشكل جمالي متسق رياضياً بما يجعلنا نشعر بالخزي إذا لم  نسارع بإستغلال هذا النسق الأنيق ليكون أساساً لتفسير الظواهر بالكون.  علاوة على ذلك ،تعد نظرية الآوتار هى النموذج الوحيد  لايطمح في مجرد أن يكون نظرية كم-جاذبية ، بل  تسعى نظرية الآوتار لأن تكون نظرية كل شيئ ، توحد من حيث المبدأ ، كل الفيزياء المعروفة . حيث نأمل في النهاية أن تكون لدينا مجموعة كاملة غير تقريبية من معادلات  ميكانيكا الكم والتي تؤول إلى نموذج قياسي يتوافق مع النسبيةالعامة في حدود الطاقات المنخفضة والأبعاد المختزلة ، ليس هذا فحسب ولكننا نود أن يكون إختزال الأبعاد بطريقة فريدة من نوعها . ومع ذلك فإن السبل الممكنة التي تستطيع من خلالها إختزال أبعاد نظرية الآوتار  العشرة إلى الأبعاد الأربعة الزمكانية (الزمان والمكان) تسمح بإحتمالات عديدة وكبيرة مما يجعلها تعرف مجتمعة بـــ مشهد نظرية الآوتار  [6] ، في أغلب الأحيان يقدر عدد هذه الإحتمالات بــ  10500 (10 أُس 500) إحتمال ، الفيزياء المعروفة لدينا الآن هى واحدة من هذه الإحتمالات الــ10500 التي تقدمها نظرية الآوتار  ، ماذا عن الــ (10500ناقص 1)  المتبقية ؟ لماذا هم هناك ؟   حتى الآن  – وهذا سؤال مفتوح ، توجد صعوبات في ربط الأجزاء المفهومة جيداً بمشهد نظرية الآوتار  مع بعضها البعض تماماً.

يمكن تشبيه الموقف الحالي بسجادة فارسية جميلة وكبيرة يتم نسجها خيطاً خيطاً ، عادة ما سوف نبدأ عند نقطة ما بالسجادة ونعمل بشكل منهجي في حياكة التصاميم المعدة في وقت ما . نستطيع أن نرى الأجزاء المكتملة فقط من السجادة كقطعة واحدة ، ولكن لسوء الحظ في حالة نظرية الآوتار فإن الأجزاء التي لم تكتمل بعد ليست كلها في مكانٍ واحد ، ولكنها مبعثرة في جميع أنحاء السجادة. لذا فهى تتطلب قدراً كبيرا من القدرة على التخيل لتصور كيف سيبدو في النهاية  ما تم إنهاوه من السجادة  من السجادة أو ما إذا كان شكل القطع المكتملة سيكون متسقاً بشكل سلس دائماً.

الناس من أمثالي الذين يبدون إهتماماًفي جزء صغير من مشهد نظرية الآوتار  والذي قد لا يتصل بطبيعة الكون ، قد يتسألون : لماذا كنا نعمل على هذه النظرية ؟ ألا ينبغي لنا كفزيائيين أن نهتم بتوصيف الطبيعة ؟لماذا نُضّيع أوقاتنا في شيئ نعلم مسبقاً أنه خاطئ؟

وهناك سؤال آخر يرتبط بالأسئلة السابقة بشكل كبير  ألا وهو  : ماذا لو أثبت شخص ما أن الجسيمات دون الذرية   لا يمكن أن تتكون من آوتار ؟ في هذه الحالة فلن تكون فقط النظرية التي نعمل عليها خاطئة ،ولكن كامل الصرح سينهار ، فماذا سنفعل حينئذٍ ؟ فهل سنلقي بأبحاثنا في الهواء ونتجه إلى شيئ أخر؟ أم أننا سنستمر بعناد في العمل على فرضية الآوتار  (التي باتت خاطئة آنذاك)؟ ماذا سيحدث لمستقبلنا المهني ؟ ولماذا نخاطر مُنذ البداية أساساً؟

تبدو هذه الأسئلة عقلانية تماماً بحيث يمكننا صياغتها جمعياً بسؤال واحد : هل لنظرية الآوتار إنجازات تمكنها من البقاء وتحميها من مثل هذا الإنهيار؟ . ………   إتضح أنه يوجد إنجازات  تحميها  !!!

عدم وجود نتائج تجريبية ترشدنا في رحلتنا لإستكشاف مشهد نظرية الآوتار الوسيع لم يترك أية خيارات ممكنة أمام علماء الفيزياء النظرية ، ولكن هذه الرحلة المُضنية أسفرت عن نسق رياضي أنيق وعميق يعبر عن هذا المشهد  ، ليس هذا فحسب بل امتد ليعبر عن كثير من النظريات التي نعرف أنها لا تتصل بالطبيعة. يعمل علماء الرياضيات اليوم بالتوازي مع علماء الفيزياء النظرية المهتمين بنظرية الآوتار لإستكشاف هذه الآفاق التي فُتحت أبوابها مؤخراً.

و بعيداً عن التقدم في الرياضيات المجردة ، فإن إكتشاف حلاً لحدس إزدواجية مالديكانا [7] ADS/CFT   سيضيئ الآمل في أن النتائج التقريبية ( الغير فيزيائية ) في نظرية الآوتار يمكن أن تتحول إلى نتائج دقيقة ( فيزيائية ) مثلما في الديناميكا الكمية اللونية QCD   [8] ، ولو صح ذلك ستُتيٍح هذه المفارقة إنجازاً هائلاً ربما يشكل ضمانة كبرى لبقاء نظرية الآوتار بشكل ما حتى ولو ثبُت خطأوها بالتجربة.

إن دراسة عدد كبير من النظريات في مشهد نظرية الآوتار  وكيفية إرتباط كل نظرية بالأخرى ، زودنا برؤى عميقة في كيفية عمل النظرية الفيزيائية ، فيمكننا أن نشبهمشهد نظرية الآوتار  بمجموعة هائلة من العينات التي تم جمعها ودراستها بالتفصيل من أجل فهم لماذا تتصرف النظريات الفيزيائية بهذه الطريقة التي هى بها الآن ؟ ولربما يقودنا ذلك إلى الإجابة عن أسئلة عميقة عن آمور مثل التناظر (التماثل) وكيفية نشأته.

حتى لو أن شخصاً ما إستطاع أن يُبين أن الكون لا يمكن توصيفه بنظرية الآوتار  ، فإنني أظن أن الناس ستستمر في العمل عليها ، فإنها لم تعد فيزياء بقدر ما أصبحت رياضيات بحتة.

ويمكنني أن أتصور أن نظرية الآوتار في هذه الحالة ربما تصبح فرعاً مستقلاً من المعرفة (العلم) ، هذا هو: علم رياضي تم تطويره لدراسة بنية النظرية الفيزيائية وتطوير الأدوات الحسابية لإستخدامها في العالم الحقيقي . وسيظل تداولها بين الفيزيائيين والرياضيين كأداة لإشتقاق المعادلات الرياضية الجميلة ولربما في أثناء ذلك ينتج عنها إكتشافات جديدة فيما يخص خصائص النظرية الفيزيائية وطبيعتها والتي ربما تقود بدورها الفيزيائيين إلى الإكتشاف الفعلي لنظرية كل شيئ.  سواء كانت نظرية الآوتار تصف الطبيعة أم لا ، فإنه ليس هناك أدنى شك في أننا قد عثرنا على نسق هيكل ضخم بصورة إستثنائية وأنيقة والذي قد يكون من الصعب جداً التخلي عنه.  إن تكوّن أي علم جديد هو أمرٌ يحدث بإستمرار ، فعلى سبيل المثال فإن معظم الإحصائيين لا يعتبرون أنفسهم علماء رياضيات، ففي معظم الدوائر والمؤسسات الأكاديمية في الرياضيات نجد التسمية “الرياضيات والإحصاء” تتمثل في إدارات منفصلة للإحصاء ، ربما يخبئ المستقبل مصير مماثل للإكتشافات اللافيزيائية والتي ليست على درجة كبيرة من الرياضيات البحتة لتشكل علماً جديداً يعرف بعلم نظرية الآوتار .


[1] شيلدون لي جلاشو ، فيزيائي أمريكي حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء ، يعمل أستاذ كرسي ميتكلف للرياضيات والفيزياء بجامعة بوسطن . وهو من أبرز المشككين والمعارضين لنظرية الآوتار وذلك بسبب إفتقادها للتنبؤات التجريبية القابلة للقياس ، لذا فقد قاد حملة شرسه لإقصاء علماء نظرية الأوتار بـقسم الفيزياء  بجامعة  هارفارد ولكن حملته قد فشلت ، وفي الحلقة الثانية من السلسلة التليفزيونية “الكون الآنيق” وصف نظرية الأوتار بأنها مسلك منفصل عن الفيزياء قائلاً – يمكنك أن تسميها ورماً خبيثاً ..ان شئت ..   (المترجم)

[2] لي سمولين ،فيزيائي نظري أمريكي يعمل باحثاً بمعهد بريمتر للفيزياء النظرية وأستاذاً مساعداً للفيزياء بجامعة واترلو ، قد م مساهمات عديدة في نظرية الكم-جاذبية ونظرية الآوتار – كتابه مشار اليه في قائمة المراجع بالمقال الأصلي   (المترجم)

[3]  الكم-جاذبية  هى أحد موضوعات علم الفيزياء الحديث وفيه يحاول العلماء تطوير نموذج علمي لتوحيد ميكانيكا الكم والنسبية العامة معاً في نسيج واحد ليكون نموذجاً مترابطاً يوحد كافه القوى الأساسية في الطبيعة على المستويين الذري والفلكي.  (المترجم)

[4]  بيتر ويت ، كبير المحاضرين ومدير إدارة الحاسب الآلي بجامعة كولومبيا ، أشُتهر بمعارضته وانتقاداته الحادة لنظرية الآوتار.  .  (المترجم)

[5]  السير كارل ريموند بوبر، فليسوف بريطاني وعضو بالجمعية الملكية يعمل أستاذاً بمدرسة لندن للإقتصاد ويعد واحداً من أهم فلاسفة العلم في القرن العشرين وله اسهامات فلسفية أخرى بالعديد من النواحي الإجتماعية والسياسية ، إشتُهر بوضعه المعايير الأساسية للطريقة العلمية.   .  (المترجم)

[6]  مشهد نظرية الأوتار  String Theory Landscape   .  (المترجم)

[7]  إزدواج مالديكان أو ADS/CFT  هو الحدس المكافئ بين نظرية الآوتار والجاذبية المُعرفة في الفضاء(المكان) وبين نظرية المجال الكمي بدون جاذبية والمُعرفة عند حدود إمتثالية في نفس هذا الفضاء بحيث تقل عنها ببعد أو أكثر. .  (المترجم)

[8]  الديناميكا الكمية اللونية QCD هى نظرية للتفاعلات القوية (قوة اللون) بحيث أنه في وجود قوة أساسية تصف تفاعلات الكواركات والجليونات لتكوين الهدرونات (مثل البرتون و النيترون أو البيون).   (المترجم)